مات كبارنا… فعرفنا قيمتهم
- مفالات صحفيه (منقوله)
- 7/9/2026
- 54
- محمد أحمد خليف عسيري ... بتصرّف
مات كبارنا… فعرفنا قيمتهم
حين غاب الكبار… تاهت البوصلة
لم يكن الكبار في بيوتنا مجرد أعمار أثقلتها السنون ولا وجوهاً حفرت الأيام على ملامحها أخاديد الزمن.
بل كانوا أعمدة خفية تحمل سقف الأسرة والعشيرة والقبيلة والمجتمع
فإذا غاب عمود منها بدا السقف قائماً للوهلة الأولى ثم ما يلبث أن يتشقق حتى يسقط على من تحته.
كنا نظن أن الجد يجلس في صدر المجلس لأنه الأكبر سناً فإذا رحل عرفنا أنه كان يجلس هناك لأن الله جعل في حضوره ميزاناً يعتدل به الاختلاف وسكينة تنطفئ عندها نار الخصومات وهيبة تردع النفوس قبل أن يردعها الكلام.
كان بينهم كالقنديل المعلق في آخر الدرب
لا يشعرون بقيمته حتى تنطفئ، فتكتشف الأقدام أنها كانت تمشي على هدى نوره.
مات كبارنا
فلم تمت أجساد فحسب بل انطفأت مصابيح.
كانوا إذا اختلف اثنان جمعتهما كلمة.
وإذا تقاطع أخوان أعادتهما دمعة.
وإذا ضاقت الدنيا بأحدنا وجد في وجوههم متسعاً من الطمأنينة لا يجده في اتساع الأرض.
أما اليوم ..
فقد كثرت البيوت وقل البيت.
وكثرت الموائد وقل الاجتماع.
وكثرت الأرقام في الهواتف وقل من يسأل عنك إذا غبت.
صرنا نلتقي كثيراً ولكننا لا نجتمع.
ونتحدث طويلاً ولكننا لا نتحاور.
ونبتسم للصور بينما القلوب تتباعد في صمت.
كان الكبير محورا تدور حوله الأرواح فلما انكسر المحور بقيت الدائرة رسماً لا حركة فيه.
ولذلك ترى الأسرة بعده كسفينة انكسرت دفتها لا تغرق دفعة واحدة لكنها تفقد قدرتها على اختيار وجهتها.
ومن أعجب ما في الكبار أنهم كانوا يختلفون معك ثم يدعون لك.
ويعاتبونك ثم يخافون عليك.
ويغضبون منك ثم يسألون عنك خفية كي لا تنكسر كرامتك.
كانت قلوبهم أوسع من أخطائنا ومحبتهم أكبر من عيوبنا.
أما اليوم ..
فكثير منا يجعل من الزلة قطيعة ومن الكلمة معركة ومن سوء الفهم نهاية لعلاقة كانت تستحق ألف محاولة.
رحل الكبار ..
فرحل معهم صوت الإصلاح وهيبة الرحم وذلك الحياء الذي كان يمنع الصغير أن يرفع صوته والغني أن يتكبر والقوي أن يظلم.
كان الكبير إذا دخل المجلس دخلت معه الهيبة والأخلاق والأدب والوقار والحكمة.
أما اليوم ..
فكثير من المجالس يدخلها الناس جميعاً وتغيب عنها القيم والهيبة
كأنك في سوق تضيع فيه الأصوات ولا تسمع فيه الحكمة ولا النصيحة
كل يهرف بما لا يعرف وكل من تعلم حروف الهجاء تكلم.
لقد أورثونا بيوتاً لكنهم كانوا الوطن.
وأورثونا أسماء لكنهم كانوا المعنى.
وأورثونا أموالاً لكنهم كانوا البركة.
فلما رحلوا بقيت الأشياء وغابت الأرواح التي كانت تمنح الأشياء قيمتها.
وليس اليتم أن يفقد الطفل أباه فذلك قدر الله في عباده وإنما اليتم الحقيقي أن تفقد العائلة كبيرها
فلا تجد من يجمع المتخاصمين ولا من يوقر الصغير ولا من يذكر الناس بأن الدم لا يجوز أن تهزمه الدنيا.
وكم من أسرة كانت مضرب المثل في الألفة، فلما وارى التراب كبيرها تقاسمتها الخصومات كما تتقاسم النار هشيم الصيف.
وأصبح الأخ يخاصم أخاه من أجل شبر أرض.
والأخت تهجر أختها من أجل كلمة.
والابن ينسى أبناء عمه الذين كانوا بالأمس إخوته لأن اليد التي كانت تمسح على الرؤوس قد غابت والصوت الذي كان يقول:
«أنتم أهل مهما اختلفتم»
قد سكن تحت التراب.
إن الكبير لا يموت يوم يدفن بل يموت حقاً يوم تموت المبادئ التي عاش يغرسها فيمن حوله.
فإذا مات الجسد وبقيت أخلاقه فما مات وإذا بقي الجسد وماتت قيمه فما عاش.
رحم الله كبارنا…
ويا من بقي له كبير لا تنتظر جنازته لتعرف قدره.
اقترب منه الآن واسمع حديثه الذي ربما تمله اليوم.
وخذ من حكمته ما استطعت قبل أن يصبح صوته ذكرى.
ويا من فقد كبيره ..
لا تبحث عنه في القبر فقط .. ابحث عنه فيك.
كن كما كان..
يعفو حين يخاصم ويصل حين تنقطع الأرحام ويذكر المختلفين بأن الدم لا ينبغي أن تهزمه الدنيا.
فالكبار لا يرحلون تماماً يبقون ما بقيت وصاياهم حية فينا وما بقيت أخلاقهم تسري في عروقنا وما بقي في الأسرة قلب يقول عند أول خلاف:
«أنتم أهل .. فلا تجعلوا الدنيا أكبر منكم»
وحينها فقط
لن تكون قبورهم نهاية الحكاية… بل ستكون بدايتها من جديد.





أضف تعليقك على الموضوع